النويري

13

نهاية الأرب في فنون الأدب

عندك غيرة « 1 » لشئ مما سمعت ! قال : قلت : قد واللَّه فعلت ، ما كان منّى إليه من كبير ؛ وأيم اللَّه لأتعرّضنّ له ، فإن عاد لأكفينّكنّه . قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديد مغضب أرى أنى قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه منه ، فدخلت المسجد فرأيته ، فو اللَّه إني لأمشى نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال ، فأوقع به ، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ « 2 » ، فقلت في نفسي : ما له لعنه اللَّه ! أكلّ هذا فرق منى أن أشاتمه ! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع ؛ صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره ، قد جدع « 3 » بعيره وحوّل رحله ، وشقّ قميصه وهو يقول : يا معشر قريش ، اللَّطيمة « 4 » اللَّطيمة ! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث ! قال العباس : فشغلنى عنه ، وشغله عنّى ما جاء من الأمر . فتجهّز الناس سراعا وقالوا : أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمىّ ؟ كلَّا ! واللَّه ليعلمنّ غير ذلك ، فكانوا بين رجلين : إمّا خارج ، وإما باعث رجلا مكانه ، وأوعبت « 5 » قريش فلم يتخلَّف من أشرافها أحد ، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلَّب تخلَّف ، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة ، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت لأبى لهب عليه ، فخرج عنه . وروى أبو الفرج علىّ بن الحسين الأصفهانىّ في كتابه المترجم بالأغانى « 6 » بسند يرفعه إلى مصعب بن عبد اللَّه قال :

--> « 1 » في السيرة ج 2 ص 206 والطبري ج 3 - 4 ص 1294 : « غير » . « 2 » يشتد : يعدو . « 3 » جدّع بعيره : قطع أنفه أو أذنيه . « 4 » اللطيمة : الإبل التي تحمل الطيب والبر . « 5 » يقال : أوعب القوم : إذا خرجوا كلهم إلى الغزو . « 6 » راجع الأغانى ( ج 4 ص 174 طبع دار الكتب المصرية ) ، والنص فيه يختلف عن رواية المؤلف هنا .